:: شبكة القواسم ::

 

 

 

محمد عايد بن نويصر يرحب بكم في شبكة القواسم

 

 

الصفحة الرئيسة

 

أفخاذ القواسم

 

 

فرسان القواسم

 

 

من ذاكرة التاريخ

 

 

من وحي القلم

 

 

خيل االقواسم

 

 
 

       دروس بين أنياب الأمواج


لا أصعب على الإنسان من أن يرصد ( تجربة شعورية) كثيفة الحس مرَّ بها وعاشتها أعصابه وعروقه لحظة بلحظة, فالتجربة الشعورية ليست منظراً طبيعياً ترصده الكاميرا لتخلّده دون نقصان. ولا مندوحة من استخدام الكلمات لوصف المشاعر وهيهات للكلمات أن تصف ما يحسه الإنسان ويشعره بدرجة توازي تلك التجارب الشعورية الجياشة التي لا يستطيع وصفها إلا الأديب المُجِيد .
...
لم أرد يوماً أن أركب البحر إلا بعقلٍ غير العقل الذي متعني الله به لأني كلما جئتُ لمسبحٍ مهما كان صغيراً , وجدتني أهوي كالحجر إلى القاع , لذا فقدت الأمل في تعلم السباحة وهجرتها منذ أمد طويل هجراً لا رجعة فيه . و لولا أن ضَرَعَ إليّ مجموعة من الزملاء أثناء زيارتنا لمدينة ( ينبع) لنركب قارباً بحرياً, ما ركبت البحر ولا اقتربت منه. و لكن وخزني الحياء والكبرياء فلم استطع أن أبقى وحدي على الشاطئ وانتظرهم حتى عودتهم, كما أن البحر قد بدا هادئ البوادر قبل الركوب.
...
كانت وجهتنا نحو إحدى الجزر التي تبعد أميالاً عن الشاطئ. وما أن سار بنا القارب حتى بدأت الأمواج بحركات أفعوانية مريبة إلا أن الطاقم قد قرروا دون تشاور أن يستمروا في الإبحار , فلما ابتعدنا عن المرفأ تلاطمت الأمواج المتناوحة وبدأ البحر يبدي صنوفا من مخائل العظمة واشتدت الريح لتعصف بكل ما لديها من قوة حتى ارتسمت على محياي ابتسامات باردة ثقيلة من تلك التي تظهر كلما قابلت عدواً لئيم الطوية.
...
كنت انحني كلما ارتطمت بنا موجة حتى أصبح ظهري كالقوس قبل رمي السهم. وسار القارب سير الفارس الذي أنهكته الطعنات في ارض المعركة وخفقت معه قلوبنا خفقاناً شديدا . حتى خُيّل إليّ أن الأمواج تتعاوى و تتخاصم فيما بينها خصاماً عنيفاً على الأحقية في ضرب القارب فلا تكاد تضربنا موجة إلا تبعتها أخت لها أشد ضراوةً وبأساً لترتطم بالقارب المترنح و لا يكاد يعتدل حتى تخبطه الأخرى . كنا نتلقى صفعات الماء الغاضب حتى ارتوت ثيابنا وانسابت خيوط الماء المالح من رؤوسنا وأكمامنا . و كم شخصت في تلك الأثناء إلى الأفق البعيد مرات ومرات لعلي أرى ترابا يصلح لقبر ولكن دون جدوى.!

جالت الأفكار في رأسي كومضات البرق الخاطفة ويا لدهشة الحياة ! فقد مر أمامي شريط الحياة محطة محطة وكأنني أشاهد فيلما سينمائيا مزدحم الأحداث . وأقول لنفسي ماذا لو انقلب القارب تحت وطأة إحدى الموجات العاتية وأنا الذي لا يعرف من الماء إلا زخّات المطر في الصحراء !! .

كم تسرعت في هذا الركوب وكنت قبله في سربالٍ من العافية والرخاء !! يا إلهي لماذا يترك الإنسان العيش الرغيد ليركب الأهوال دونما اضطرار!! أكنت معتوهاً أم مخبولاً وأيُّ كبرياءاتٍ بلهاء تلك التي أتت بي إلى هنا !!.
ألِزاماً عليّ أن أدفع الحياة الغالية ثمناً لأوصاف الشجاعة والإقدام. ؟!!
.
.
كنت أتأوه آهات خفيات وأنا أرتشف كؤوس الهلاك وأرى الموت يرفف فوق رؤوسنا بسبب المقترح الأسيف الذي اقترحه الزملاء . و لم أر إلا الصبر على قضاء الله وقدره وانتظار حسن العاقبة من اللطيف الرحيم.
.
.
وبعد أن شعثت هيئاتنا وبلغت القلوب الحناجر , لاحت لنا الجزيرة المنشودة كالنجمة القصيّة بين غبش السحاب , وثوثبتْ الحياة بين أضلعي من جديد حتى كدت أقفز من القارب ظناً مني أنني أسرع منه في المسير وشق عباب الماء نحو ساحل الجزيرة ولكن هيهات فلا زالت هناك حوائل كالجبال السامقة بيني وبينها. سار القارب على هذا النحو المفزع الكئيب وأخذت الأمواج المتبقية حقها وافياً من أعصابنا ومشاعرنا فلما دنونا من اليابسة الرحيمة انتابني رغبة عارمة بأن أعانقها عناق الأحبة المخلصين فوخزني الحياء مرة أخرى وتظاهرت بالثبات والتماسك .
...
جزيرة صغيرة لا أثر فيها لشجر أو مأوى لكنها الركن الحاني لمن يريد الانتظار حتى تهدأ العاصفة. على شاطئ تلك الجزيرة سفينة كبيرة أكل منها الصدأ وشرب . أثارت السفينة الصدئة من سوانح الفكر ومن صفاء التأمل ما كنت أعهده من نفسي في أيام مضت واستحالت إلى ذكريات غابرة. قلت "من المؤكد أن العطب الذي أصابها كان بسيطاً وذلك لاكتمال هيئتها من جميع الجهات إلا أن السكون والهدوء هو الذي جعلها مهترئة بهذا الشكل" . في هذه اللحظة التأملية تذكرت ما قرأته في أحد كتب الكاتب والمدرب الشهير (زيج زيجلار) وهو شبيه بملاحظتي حول السفينة حيث يقول :

" إذا رأيت مركباً شراعياً جاثماً في سكون وهدوء فوق الميناء , نائياً عن الأخطار فسيظل رابضاً في مينائه إلى الأبد. ونحن البشر خلقنا لنرفع أشرعتنا ونسابق الريح ونتحدى البحر ونتخلى عن قدر من الأمان والهدوء ونملك العالم. لقد خلقنا لنختبر جوهرنا الحقيقي ولم نخلق لنظل في أمان تام وسكون تام. "

وكلام (زيج زيجلار) شبيه بكلام فيلسوف الصين (كونفوشيوس) الذي يقول " دائما ما يفكر الشخص المتميز في التحدي بينما يفكر الشخص العادي في الراحة "

لعلي أتوقف عند هذه النقطة حتى لا أطيل الفكرة على القارئ الكريم والتي مؤداها أنه ليس هناك تحدي أعظم من تحدي الرخاء وليس هناك من مدرسة أعظم من مدرسة الأهوال.ألم تكن هذه الرحلة المِبرد الذي شحذت عليه قلمي ولساني بعد أن ضمرت نوازع الأدب الرفيع في داخلي منذ عهد بعيد ؟؟



سند الحشار بتاريخ 27/8/20
10

                                                      

 

 
 
                                                                        شبكة القواسم بدعم من شبكة الأنظمة السعودية